تحديات التنمية البشرية في سورية

د. نبيل مرزوق


تهدف هذه المساهمة إلى تسليط الضوء على بعض التحديات التي تواجهها سورية في مجال التنمية البشرية، وذلك كواحدة من القضايا التي تنتظر الحل، لقد أملت هذا الاختيار جملة من العوامل والتي من أهمها، أن التطور الاقتصادي العالمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد ارتكز وبشكل متزايد على التطور التقني والعلمي، أكثر من اعتماده على التطور الكمي في الإنتاج، وفي العقدين الأخيرين من القرن بدأ الاقتصاد العالمي يتسم بالاقتصاد المعرفي أي القائم على المعرفة، وحسب معطيات تقرير التنمية البشرية عام 1999، فإن أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي لمعظم دول "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"، يقوم على العلم، وازدادت حصة منتجات التكنولوجيا الرفيعة "High -Technology" في المبادلات الدولية من 12% إلى 24% من الصادرات العالمية خلال التسعينات هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن آفاق التنمية في البلدان النامية قد أصبحت أكثر تحديداً من السابق. حيث التراجع عن استراتيجية إحلال المستوردات لصالح التوجه نحو التصدير، قد بين عقم هذا الاتجاه وعدم إمكانية تحقيق التنمية المطلوبة، إذ يتجه السوق العالمي وخاصة سوق الدول الغنية إلى الإشباع بالنسبة لصادرات الدول النامية من سلع الاستهلاك النهائي، بفعل التغير الديموغرافي في هذه البلدان، والاتجاه أكثر نحو تلبية طلب الفئات كبيرة السن نسبياً والذي يتركز في الطلب على الخدمات الصحية والرعاية والترفيه، وكان هذا الاتجاه قد أدى في التسعينات إلى تدهور معدل تبادل السلع المصنعة المصدرة من قبل الدول النامية. ويتضح الآن أكثر فأكثر، أن التنمية المتجهة داخلياً والمعتمدة على الذات، هي الأفق الممكن والأكثر جدوى بالنسبة للدول النامية وسورية واحدة منها، وتفترض التنمية المعتمدة والمستمرة، أيضاً فإن المسار الحالي للعولمة الرأسمالية، يدفع باتجاه المزيد من التمركز والتركز من جهة وإلى المزيد من الاستبعاد والتهميش من جهة أخرى، تمتلك الدول الصناعية المتقدمة 97% من جميع براءات الاختراع على نطاق العالم، وفي عام 1995 دفع للولايات المتحدة مايناهز نصف عوائد الملكية ورسوم الترخيص على نطاق العالم ويشكل الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة الدول السبع (ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، كندا، الولايات المتحدة وايرلندا الشمالية، الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان) نحو 64% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 1997 في حين لا تتجاوز نسبة سكانها 11.8% من سكان العالم وفي نفس الوقت لم تتجاوز حصة 80% من سكان العالم 14% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و18% من أسواق الصادرات العالمية هذا التمركز الشديد في الثروة والدخل والمعرفة، قد أفرز خللا هائلاً في ميزان القوى على الصعيد العالمي، أخرج الدول النامية من دائرة التأثير والفعل في القرار العالمي وحتى بالنسبة لما يمسها مباشرة من قرارات (إلزامها بتطبيق برامج التعديل الهيكلي وفتح أسواقها)، وهنا لابد من التوضيح بالنسبة للبعض، أن العولمة الرأسمالية لا ترغب في دمج العالم في قرية "قرية كونية" كما يدعون وإنما تريد تفصيل عالم على شاكلتها "كما يقول البيان الشيوعي"، جوهره حرية الأسواق والسلطة فيه لرأس المال دون منازع، وبالتالي فإن إدماج الدول النامية في العولمة لا يقصد فيه تقاسم المنافع والرخاء، أو تقليص معاناة الفقراء والضعفاء، وإنما المقصود فيه أسواقهم ومدخراتهم الهزيلة، ومصادرة قرارهم وارداتهم في بناء نظام بديل، وبالتأكيد الوقوف في وجه مسار العولمة الحالي، كما يحدث في "سياتل" وفي "دافوس" وغيرهما لا يعني مطلقاً الوقوف في وجه الإنجاز العلمي والتقني، بل المطلوب كثافة استخدام منجزات العلم الحديث وثورة الاتصالات وتوجيهها الاتجاه الصحيح بما يخدم عملية التنمية الشاملة في الدول النامية.

 

إن هذا المسار للعولمة الرأسمالية الجارية، والمستند إلى حرية الأسواق، لا يلبي طموحات البلدان النامية في حل مشكلاتها المستعصية، وفي احتلالها مكانة مناسبة في مسيرة الحضارة البشرية، وبالتالي فهي مدعوة لإعادة الاعتبار لمفهوم التنمية وإلى وضع استراتيجيتها الخاصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

 

لهذه الاعتبارات بالإضافة إلى عدم الوضوح والتردد في السياسة الاقتصادية السورية تم اختيار موضوع التنمية البشرية، في محاولة لإثارة النقاش واستنهاض الجهود لتدعيم التنمية البشرية القاعدة الأساس للتنمية والتقدم الاقتصادي والإنساني.

 

في هذه المداخلة سوف نحاول تقديم صورة موضوعية لجهود التنمية البشرية في سورية والثغرات وعوامل الضعف التي اعترت مسيرة التنمية خلال السنوات الماضية، مستندين في ذلك إلى المعطيات الإحصائية الرسمية وتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وسيتم اللجوء إلى المقارنة خلال فترات زمنية وإلى المقارنة مع مؤشرات الدول المجاورة والعربية منها خاصة، إن أهمية التنمية البشرية وأبعادها والسياسات المساعدة على تطويرها تحتاج إلى بحوث معمقة وجادة ميدانية ونظرية، ولا تدعى هذه المداخلة باستيفاء الشروط المطلوبة أو تغطية عناصر التنمية ومجالاتها، وهي ليست أكثر من بحث أولي للتحريض على البحث وللاهتمام بشكل جدي بهذا الموضوع.

 

للإيفاء بهذا الغرض يتم التطرق إلى العناوين التالية:

1- ما هي التنمية البشرية، وما هي مؤشراتها؟

2- التنمية البشرية في سورية خلال العقدين الأخيرين؟

3- بعض المقترحات لتسريع وتيرة التنمية البشرية في سورية

 

1-ما هي التنمية البشرية، وما هي مؤشراتها؟

المفهوم العام للتنمية البشرية ليس جديدا تماماً، حيث إشارات الفلسفات القديمة إلة مضمونه، وأولت الحضارات الإنسانية المتتالية اهتماماً  خاصاً بحياة الفرد ومعيشته، ومع تطور الرأسمالية وزيادة التفاوت الاجتماعي، برزت مفاهيم وأطروحات إصلاحية لتحقيق نوع  من العدل والتحسين في المستوى المعاشي للفئات الواسعة من السكان، وربطت الماركسية انعتاق الإنسان ودخوله مملكة الحرية بامتلاك الوعي والقدرة على التأثير في محيطه ومستقبله وفي إلغاء قيد العمل المأجور. الماركسية رأت أن تمتع الإنسان بإنسانية لا تتم إلا بإقامة نظام جديد على أنقاض الرأسمالية، هذا النظام "الشيوعي" هو الذي سيوفر الكفاية المادية والروحية للفرد ليعطي ويبدع أفضل ما لديه.

 

ومع إقامة "النظام الاشتراكي" بعد ثورة أكتوبر 1917، وإيلاء الجانب الاجتماعي اهتماماً رئيسياً في التنمية، بدأ الاهتمام في الغرب الرأسمالي بدراسة مستويات المعيشة وظروف العمل وغيرها، كما دفع بروز كتلة الدول النامية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، المنظمات الدولية، منظمات الأمم المتحدة، منظمة اليونسكو والفاو ومنظمة العمل الدولية للاهتمام بقياس مستويات المعيشة في البلدان المختلفة لتحديد التباين فيما بينها ولتحديد احتياجات الدول النامية للمساعدة والدعم الدولي، وشكلت لهذا الغرض لجنة من الخبراء توصلت إلى أن "أفضل أسلوب لقياس مستوى المعيشة دولياً هو من خلال قياس أوجه أو مكونات محددة ومنفصلة للوضع الشامل للحياة قابلة للقياس الكمي وتعكس الأهداف الدولية".

صدر في عام 1990 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التقرير بعنوان –تقرير التنمية البشرية- وقد اعتمد التقرير تعريفاً لمفهوم التنمية البشرية، قام بتعديله لاحقاً في تقريره لعام 1995، وقد جاء في هذا التعريف: التنمية البشرية هي "عملية توسيع لخيارات الناس. ومن حيث المبدأ ، هذه الخيارات يمكن أن تكون مطلقة ويمكن أن تتغير بمرور الوقت، ولكن الخيارات الأساسية الثلاثة، على جميع مستويات التنمية البشرية، هي أن يعيش الناس حياة مديدة وصحية، وأن يكتسبوا معرفة وأن يحصلوا على الموارد اللازمة لمستوى معيشة لائقة. ولكن التنمية البشرية لا تنتهي عند ذلك… فالخيارات الإضافية تتراوح من الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى التمتع بفرص الخلق والإنتاج والتمتع بالاحترام الذاتي الشخصي وبحقوق الإنسان المكفولة".

 

يتضح من التعريف غنى هذا المفهوم وبالتالي صعوبة الاستدلال عليه من خلال مؤشر، أو مجموعة محدودة من المؤشرات الكمية والتي لا يتوفر عدد هام منها بالنسبة للبلدان النامية، وهنا تكمن أهمية الدليل الذي تبناه التقرير بتركيبه من مجموعة محددة من المعطيات والإنجازات في مجالات التنمية البشرية الأساسية، القابلة للقياس خلال فترات زمنية وقابلة للمقارنة فيما بين الدول وهي تتعلق بطول العمر والمعرفة ومستوى المعيشة وقد أعطي لكل منها تثقيل معين يتناسب وشدة ارتباطه بالتنمية البشرية، واختيرت قيمة للدليل تتراوح بين الصفر والواحد الصحيح والبلدان الأقل تنمية تكون أقرب إلى الصفر. ولتلافي القصور الملاحظ في هذا الدليل تم عام 1995 استحداث دليل التنمية المرتبط بنوع الجنس ومقياس التمكين المرتبط بنوع الجنس للتعبير عن التفاوت في التنمية فيما بين الجنسين والإنجازات على صعيد التنمية البشرية، سواء بالنسبة للدول النامية أو الدول الصناعية المتقدمة، مجموعة الأدلة هذه تضم طيفاً واسعاً من المؤشرات التي تغطي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والسياسة والتي تعكس في النهاية التقدم المحرز على صعيد التنمية البشرية ونقاط الضعف والثغرات فيها، ويتجاوز عدد المؤشرات في التقرير 180 مؤشراً، توزعت على الشكل التالي:

1- دليل التنمية البشرية ويضم أربعة مؤشرات.

2- دليل التنمية المرتبط بنوع الجنس ويضم ثمانية مؤشرات.

3- مقياس التمكين المرتبط بنوع الجنس ويضم أربعة مؤشرات.

4- الفقر البشري في البلدان النامية ويضم أحد عشر مؤشراً.

5- اتجاهات التنمية البشرية ونصيب الفرد من الدخل وهو يرصد التغيرات في قيمة دليل التنمية البشرية عبر عدد من السنوات بالإضافة إلى التغيرات في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك السنوات.

6- التقدم المحرز فيما يتعلق بالبقاء على قيد الحياة ويضم خمسة مؤشرات.

7- الملامح الأساسية للصحة ويضم عشرة مؤشرات.

8- اختلالات التوازن في التعليم ويضم عشرة مؤشرات.

9- الأداء الاقتصادي ويضم ستة مؤشرات.

10-   بنية الاقتصاد الكلي ويضم واحد عشر مؤشراً.

11-   اختلالات التوازن في استخدام الموارد ويضم ستة مؤشرات.

12-   المعونة والديون حسب البلد المتلقي ويضم ستة مؤشرات.

13-   تدفقات المعونة من البلدان الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية ويضم ثمانية مؤشرات.

14-   الاتجاهات الديموغرافية ويضم سبعة مؤشرات.

15-   استخدام الطاقة ويضم أربعة مؤشرات.

16-   الملامح الأساسية للتدهور البيئي ويضم ثمانية مؤشرات.

17-   إدارة البيئة ويضم ثمانية مؤشرات.

18-   الأمن الغذائي والتغذية ويضم سبعة مؤشرات.

19-   الأمن الوظيفي ويضم سبعة مؤشرات.

20-   الملامح الأساسية لحياة السياسية ويضم سبعة مؤشرات.

21-   الجريمة ويضم خمسة مؤشرات.

22-   الكرب الشخصي ويضم ستة مؤشرات .

23-   الفجوات بين الجنسين في التعليم ويضم اثنا عشر مؤشراً.

24-   الفجوات بين الجنسين في النشاط الاقتصادي، ويضم سنة المؤشرات.

25-   الفجوات بين الجنسين في عبء العمل وتوزيع الوقت، ويضم سنة مؤشرات.

26-   الفجوات بين الجنسين في المشاركة السياسية ويضم سنة مؤشرات.

27-   حالة صكوك مختارة من الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ويضم ثمانية اتفاقيات وصكوك دولية أساسية.

 

هذا الطيف الواسع من المؤشرات يتيح إمكانية التعرف على التطور المتحقق وآفاق التنمية المستدامة ويعكس صورة أولية للحياة الاجتماعية والسياسية والحقوق والحريات الفردية، التي هي عنصر أساس في التنمية البشرية، كما يعكس غياب عدد من المؤشرات بالنسبة لبلد ما مستوى الشفافية والمشاركة وهي سلبية في هذه الحالة تخفف منقيمة دليل التنمية البشرية الشامل.

 

2-التنمية البشرية في سورية خلال العقدين الأخيرين:

بلغت قيمة دليل التنمية البشرية لسورية حسب معطيات حسب معطيات عام 1997 ما يعادل 0.663 وكان ترتيبها 111 من أصل 174 دولة، وقد كان ترتيبها في دليل التنمية البشرية لعام 1996-92 حسب التصنيف العالمي تبلغ قيمة دليل التنمية البشرية المتوسط 0.662 وهي قيمة دليل سورية تقريباً وتنضوي معظم الدول العربية في هذا المستوى المتوسط للتنمية البشرية، الجدول التالي يبين ترتيب الدول العربية وقيمة دليل كل منها عام 1997 حسب تقرير التنمية البشرية لعام 1999.

جدول آ- بعض معطيات التنمية البشرية في الدول العربية:

 

الدين الخارجي كنسبة من الناتج القومي%

1995-1997

النشاط الاقتصادي للأثاث كنسبة من الذكور 1997

دليل الفقر البشري

الفارق من الترتيب حسب الناتج والترتيب حسب دليل التنمية

دليل الناتج المحلي الإجمالي

قيمة دليل التنمية البشرية

الترتيب العالمي حسب دليل التنمية البشرية

الدولة

القيمة

0-1

الترتيب

00         00

49.9

00

00

-30

0.92

0.833

35

تنمية عالية-الكويت

00         00

33.1

9.8

1

-8

0.85

0.832

37

تنمية عالية-لبيحرين

00         00

30.7

00

00

-23

0.89

0.814

41

تنمية عالية-لقطر

00         00

28.1

17.7

27

-18

0.88

0.812

43

تنمية عالية-ا.ع.م

00         00

30.2

16.4

22

 

 

 

65

تنمية متوسطة-الجماهيرية الليبية

32.800

38.7

11.3

14

-4

0.68

0.749

69

تنمية متوسطة-لبنان

14.6      12.5

21.1

00

00

-37

0.77

0.74

78

تنمية متوسطة-السعودية

22.3        00

20.4

23.7

39

-47

0.77

0.715

89

تنمية متوسطة-عمان

78.7       121

31

9.8

9

2

0.59

0.715

34

تنمية متوسطة-الأردن

60.6      62.8

46.1

23.1

38

-34

0.66

0.695

102

تنمية متوسطة-تونس

32.4    69.0

36.1

28.8

52

-31

0.63

0.665

109

تنمية متوسطة-الجزائر

66.5     126.4

36.5

20.1

32

-11

0.58

0.663

111

تنمية متوسطة-ج.ع.س

115    39.0

43.2

33.0

57

-14

0.57

0.616

120

تنمية متوسطة-مصر

29       00

24.0

00

00

-22

0.58

0.586

125

تنمية متوسطة-العراق

130.4    59.5

53.1

39.2

67

-27

0.58

0.586

125

تنمية متوسطة-المغرب

75.1    182.4

41.0

36.8

61

-7

0.46

0.475

142

تنمية منخفضة-السودان

00       76.7

39.0

49.2

78

18

0.35

0.449

148

تنمية منخفضة-اليمن

230.5   234.7

76.6

47.5

77

-20

0.48

0.447

149

تنمية منخفضة-موريتانيا

00     00

66.9

00

00

3

0.87

0.883

23

تنمية منخفضة-اسرائيل

يتضح من الجدول أن الموقع الذي تحتله سوريا في مجال التنمية البشرية موقع متدن مسبياً بالمقارنة مع الدول الأخرى في العالم وحتى بالمقارنة مع الدول الأخرى في العالم وحتى بالمقارنة مع الدول العربية حيث يأتي ترتيبها 12 في مجموعة الدول العربية ال18 وكان ترتيب سوريا قد تراجع من 92 عام 1996 إلى 111 عام 1999، كما تراجعت قيمة دليل التنمية البشرية فيها من 0.691 عام 1990 إلى 0.663 عام 1999 وذلك خلال إدخال التعديلات لتي سبق ذكرها على الدليل. في الوقت الذي ازدادت قيه قيمة هذا الدليل بالنسبة لمعظم الدول العربية، وبالنسبة للدول الأخرى، أي أن سورية لم تبذل الجهود الكافية خلال العقد المنصرم، بل تراجعت في هذه الجهود نظراً لتراجع قيمة دليلها للتنمية البشرية. وفي الدراسة المعدة حول قياس التنمية البشرية والصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا عام 1997 والمستندة إلى عطيات عام 1993 كان ترتيب سورية وفق التالي:

الترتـــيب وفـــق

الدليل الشامل

الجانب الانساني

الجانب الاجتماعي

الجانب الاقتصادي

تقرير التنمية البشرية

 

103

171

102

125

92

سورية

 

وفق هذا الترتيب فإن العجز فإن العجز الأساسي لسورية هو الجانب الإنساني والذي يجعلها في المرتبة 171 من بين 174 دولة في العالم، ويليه الجانب الاقتصادي والذي يؤكد ضعف النمو وضآلة حصة الفرد من الناتج المحلي. والسؤال لماذا تراجعت سورية في مجال التنمية البشرية؟ وما هي العوامل والأسباب التي تحول دون تقدمها؟ في محاولة الإجابة على هذين السؤالين لن يمكن إعادة دراسة المؤشرات المعتمدة في الدليل كل على حده، لذلك سوف تقدم محاولة للإجابة من خلال التعرف إلى الجهود التي بذلت في السنوات السابقة في هذا المجال ومن خلال استعراض بعض المعوقات البنيوية أو الإجرائية في السياسات المتعبة.

 

آ- الجهود المبذولة للتنمية البشرية خلال العقدين الأخيرين:

1-في الجانب الاقتصادي

بلغ إجمالي الناتج المحلي الصافي لعام 1980 بتكلفة عوامل الإنتاج وبالأسعار الثابتة لعام 1995 نحو 378185 مليون ليرة سورية وبلغ عام 1997 نحو 551344 مليون ليرة سورية، أي أن معدل النمو الوسطي السنوي قد كان 1.79% خلال السنوات 1980-1985 ونحو (-2.82) سنوياً خلال السنوات 1985-1990 ونحو 5.55 وسطياً خلال السنوات 1991-1997، أي أن النمو خلال هذه السنوات كان ضئيلاً لا يتناسب مع الزيادة السكانية مما انعكس على صحة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي التي بلغت 434500 ل.س عام 1980 و400258 عام 1985 و29563 ل.س عام 1980ونحو 36513 ل.س عام 1997 أي تراجعت حصة الفرد خلال 18 عاماً بما يعادل 6937 ل.س أو نسبة تقارب 16% يضاف إلى ذلك التراجع في معل الاستثمار خلال هذه السنوات والتراجع في معدل التراكم الداخلي من 19% عام 1980 إلى 12% عام 1990 و14% عام 1997، بالإضافة إلى زيادة الدين الخارجي من 10842.8 مليون دولار عام 1985 إلى 20864.7 مليون دولار عام 1997، أي أن الدين ازداد بما بقارب 5.6 % سنوياً وهو معدل إعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لنفس الفترة، يضاف كذلك ارتفاع معدل التضخم السنوي 15.7% وسطياً للفترة 1985-1996، أما بالنسبة لقوة العمل فإن الإحصاءات الرسمية لا تعكس صورة الزيادة وحجم البطالة الفعلي، إلا أن مجمل التقديرات تشير إلى أن هذا المعدل قد ازداد إلى أكثر من 12% من قوة العمل في النصف الثاني من التسعينات.

جملة المؤشرات التي تم الرجوع إليها تشير إلى أن الأداء الاقتصادي خلال العقدين الأخيرين قد كان ضعيفاً وسلبياً وخاصة منذ عام 1986 عام بدء تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي الذي اعتمدته الحكومة السابقة، وقد انعكس هذا الأداء على الجوانب الاقتصادية الأخرى المرتبطة بالتنمية البشرية مثل حصة الفرد من الاستهلاك وخاصة السلع غير الغذائية مع ذلك فإن جملة هذه المؤشرات وخاصة إلى الدخل والاستهلاك لا تعكس صورة حقيقية للفقر والانخفاض في القدرة الشرائية لذوي الأجر، فالأجور رغم الزيادات الكبيرة في الأسعار والتي بلغ معدلها الوسطي 15.7% سنوياً، لم ترتفع لا بالقيمة الحقيقية ولا بالقيمة الأسمية منذ عام 1994، تاريخ آخر زيادة على الأجور الحقيقية يقابله إفقار وتدني معاشي وهو نقيض التنمية البشرية ومضمونها.

لقد توصلت القمة العالية الاجتماعية المنعقدة في كوبنهاغن آذار 1995 إلى عدد من الالتزامات، الثاني منها ينص "نلتزم (الدول الواقعة على الإعلان ومنهم سورية) بهدف القضاء على الفقر في العالم، باتخاذ إجراءات وطنية حاسمة وممارسة التعاون الدولي باعتبار ذلك ضرورة أخلاقية واجتماعية وسياسية واقتصادية للبشرية. "ويتضمن هذا الالتزام 9 إجراءات لتحقيق هذا الغرض والتي كان من أهمها "الإعلان عن عام 1996 بالنسبة الدولية للقضاء على الفقر، وبهذه المناسبة على الدول صياغة وتعزيز السياسات والاستراجيات الوطنية الرامية إلى تقليل الفقر والحد من التفاوت والقضاء على الفقر المدقع".

 

وينص الالتزام الثالث على "نلتزم بتعزيز هدف العمالة الكاملة بوضعها أولوية أساسية لسياستنا الاقتصادية والاجتماعية، وبتمكين جميع الناس رجالاً وناءً من الحصول على سبل العيش المأمونة والمستدامة من خلال العمالة والعمل المنتجين والمختارين بحرية".

 

لقد تضمن برنامج العمل آليات تنفيذ الالتزامات العشر التي خرج بها المؤتمر على أن يتابع التنفيذ من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة ومن قبل اجتماع خاص لذلك عام 2000، هذا وقد قامت المنظمات الإقليمية والفرعية التابعة للأمم المتحدة بعقد اجتماعات موسعة خلال العام الماضي لتقييم تنفيذ التزامات الدول وفق ما جاء في الإعلان، ما يؤسف له أن الحكومة السورية السابقة لم تتعامل بجدية مع هذه الالتزامات، فهي لم تعلن عن عام 1996 عام القضاء على الفقر كما لم تضع استراتيجية للتشغيل والقضاء على البطالة أو لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل سنوياً. ولا تكمن المشكلة في تنفيذ التزام دولي بغض النظر عن أهميته ولكن المشكلة في أن الالتزام الدولي قد كان فرصة مناسبة لوضع استراتيجية من هذا النوع، طالما أن الحكومة ليس لديها استراتيجية في هذا المجال.

إذن المحصلة السلبية التي دلت عليها المؤشرات، قد كانت نتيجة غياب الجهود الفعلية والاهتمام المسؤول للحكومة بتحسين الجانب الاقتصادي في دليل التنمية البشرية، وتركت هذه المهمة "لقوى السوق" وللمبادرات الخاصة.

 

2- في المجال الاجتماعي

لقد تبين من إجمالي المؤشرات الاجتماعية أنها أفضل نسبياً من المؤشرات الاقتصادية وهناك تحسن نسبي في العمر المتوقع عند الولادة وتقلص في وفيات الأطفال وتحسن في معدل معرفة القراءة والكتابة ومعدل القيد في التعليم الأساسي، وكذلك تحسن في الحصول على الخدمات بأنواعها، مع ذلك فإن الجهود المبذولة في هذا المجال قد كانت محدودة أيضاً بل أنها تراجعت في النصف الثاني من الثمانينات وحتى عام 1998. حيث تراجع الإنفاق العام على الصحة إلى ما يقارب 1.02% من الإنفاق العام لموازنة عام 1998 بعد ما كانت نسبته 2% في موازنة عام 1980، ويتضح ضآلة هذا الإنفاق عن ما يتبين لدينا أن الجزء الأساسي من النظام الصحي العام مجاني، وذلك للتعويض عن عدم التزام الدولة بتطبيق التأمين الصحي الشامل ونتيجة هذا الغياب لنظام الضمان الصحي فإن الكتلة الأساسية من الإنفاق على الصحة، هي إنفاق خاص ويقدر ب80% من إجمالي الإنفاق الوطني على الصحة ومن خلال تجارب الشعوب الأخرى يتبين أن التحسن المستمر في الصحة والقضاء وعلى الأمراض المستوطنة لا يتم بدون نظام صحي متكامل أساسه الضمان الصحي لكافة المواطنين دون تمييز. ومن خلال نظام الضمان الصحي توجد آليات التمويل التي تكفل فعالية وتطوير النظام الصحي.

تراجع الإنفاق على التعليم بكافة مستوياته خلال السنوات 1985-1996 من ما يقارب 6.1% من الناتج القومي الإجمالي إلى نحو 4.2% من الناتج عام 1996، وهذا يتناقض مع التوسع المطرد في الجسم التعليمي، ازداد عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية بمعد وسطي سنوي يقارب 2.6% خلال السنوات 1985-1998 أي زيادة إجمالية تقارب 40% عن عددهم عام 1985، وازداد عدد طلاب المرحلة الإعدادية بما يقارب 24% خلال نفس الفترة، كما ازدادت نسبتهم في التعليم الثانوي بفروعه المختلفة بما لايقل عن 30% أي أن الزيادة الإجمالية في عدد التلاميذ في المرحلة ما قبل الجامعية في نفس الوقت الذي لم يزد فيه الناتج القومي بدرجة كافية خلال نفس الفترة، فإن ذلك ينعكس في حصة المتعلم من الإنفاق العام على التعليم وهذا ما جعل حصة التلميذ من الأنفاق على التعليم لا تتجاوز 2724 ل.س سنوياً والسؤال كيف يمكن الحصول على تعليم جيد ومناسب بهذا القدر من الإنفاق؟ ويمكن القول ذاته بالنسبة للتعليم الجامعي.

 

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن عدم التطابق بين مخرجات التعليم وسوق العمل وفي رأينا أن المشكلة لا تكمن في عدن التطابق هذا، وليست السوق المحلية متطورة بدرجة كافية لتوجه النظام التعليمي (كما سنرى لاحقاً) وإنما تكمن المشكلة في غياب الاستراتيجية التعليمية والمعرفية، ويجب السؤال في البداية ما هي الغاية من النظام التعليمي؟ ومن المراحل المختلفة فيه؟ وهل تمتلك أهدافاً محددة لكل مرحلة تعليمية؟ الإجابة على هذه الأسئلة تحدد طبيعة المشكلة التي تواجهها والتي يشكل الإنفاق على التعليم جزءاً منها.

 

إن التعليم قد أصبح في المرحلة الحالية من التطور التقني والعلمي، القاعدة الأساسية للتنمية تفوق كل ما عداها من الموارد المادية، والاستخدام الأمثل للمورد البشري يتطلب استراتيجية وإعداداً واضحاً، وهذا ما لم يتوفر في السياسات التعليمية المتبعة حتى الآن.

 

لقد وضعت مختلف الدول بما فيها الدول النامية والعربية منها استراتيجية لاستخدام الحاسب في التعليم وهو مكلف كاستثمار أولي إلا أنه اقتصادي على المدى الأبعد بالإضافة إلى النقلة النوعية في سورية التعليم وحجم المعارف والمعلومات التي يمكن أن يهيئها للطلاب. "تتضمن خطة بدأ تنفيذها في اسرائيل عام 1993 توفير حاسوب لكل روضة أطفال (حوالي أربعة آلاف روضة) وفي خلال ثلاث سنوات من بدء البرنامج تم توفير أكثر من ربع الكميات المطلوبة.

 

وتشير الدراسة إلى أن مصر قد وضعت خطة لإدخال 2000 حاسوب سنوياً إلى المدارس، رغم ضآلة هذا الهدف مع الحجم الفعلي المطلوب، فإن السؤال يطرح أين خطة سورية لإدخال الحواسيب إلى المدارس؟ ومتى سيتم استخدامها في التعليم؟ إن استراتيجية التعليم ليست سوى اشتقاق للاستراتيجة العلمية وهذه الاستراتيجية غير واضحة أو محددة، رغم أن التصريحات الرسمية لا تخلو منذ مدة من الإشارة والتأكد على البحث العلمي، ولكن ما هي الأهداف المحددة لهذا البحث؟ وما هي الاستراتيجية الموضوعة؟ وما هي المؤسسات التي ستقوم بهذا البحث؟ كثير من الأسئلة لاتتم الإجابة عليها، ولم يبذل العناء للتفكير فيها، فليس صحيحاً تحميل الجامعة وبعض المراكز البحثية مسؤولية إخفاق البحث العلمي وضآلة النتاج العلمي بشكل عام، فالإبداع العلمي هو حصيلة النشاط المؤسسي في بيئة علمية مؤاتية، وهذه البيئة لاتنحصر في الجامعة أو مراكز البحث، بل تشمل النظام الثقافي والمعرفي الاجتماعي، ويتضح ضآلة الجهود المبذولة في هذا الجانب، وخاصة في السنوات الأخيرة مع التطور المتسارع والمذهل في وسائل الاتصال والمعرفي، المقارنة مع الدول العربية واسرائيل في بعض المؤشرات الدالة على إمكانية الوصول إلى المعرفة تبين مدى الضعف في هذا المجال.

 

جدول ب-

شبكات خدمة الانترنيت لكل ألف شخص 1998

الحواسب الشخصية لكل ألف شخص 1996

آلات الفاكس لكل ألف شخص 1996

أجهزة التلفزيون لكل ألف شخص 1996

خطوط الهاتف الرئيسية لكل 1000 شخص 1996

رحلات السياحة الدولية بالآلاف 1996

 

3.98

74.1

23.7

373

232

00

الكويت

6.07

66.7

18.8

282

308

00

ا.ع.م

0.10

6.7

3.1

156

64

1778

تونس

0.05

5.8

00

126

50

2812

مصر

(0)

$ و 1

1.4

91

82

2485

سورية

14.2

116.3

24.7

300

441

2259

اسرائيل

 

لا تتوقف أهمية هذه المؤشرات على تدفق المعلومات وتوسيع القاعدة المعرفية في المجتمع وهي تتعداها لتعبر عن مدى الشفافية والمشاركة، ويبدو الترابط كبيراً بين الديمقراطية والازدهار العلمي والمعرفي، فديمقراطية التعليم والفرصة المتساوية في الوصول إلى المعلومة تعطي فرصة أكبر للمشاركة وبالتالي إسهام كافة فئات المجتمع في صنع القرار الخاص بهم، وهم من خلال معارفهم المبعثرة يتوصلون عبر ممارستهم الديمقراطية ومشاركتهم إلى تنظيم هذه المعرفة وهيكلتها لتنتج علماً وإبداعاً.

 

3- في الجانب الإنساني

حسب المؤشرات احتلت سورية موقعاً متدنياً جداً 171 من أصل 174 دولة، مشاركة المرأة مقبولة نسبياً في مجلس الشعب والحكومة إلا أنها على صعيد أكثر من غيره هو حصتها من الدخل المكتسب والمقدرة ب18.3%، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 48% من قوة العمل الأنثوية يعمل بدون أجر، وفي المحصلة فإن قيمة مقياس التمكين لسورية كان 0.317.

 

لقد تراجع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية من 2% من الإنفاق عام 1985 إلى 0.16% من الإنفاق العام عام 1998. لقد ساعدت قيم وعادات المجتمع على توفير نوع من الرعاية للفئات الأضعف من المجتمع، إلا أن هذا الجانب لا يمكن الركون إليه نتيجة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والغزو المكثف لمفاهيم السوق والاستهلاك، إن التكافؤ الاجتماعي من شأنه أن يضعف ويتراجع لصالح قيم السوق، وعلى الدولة أن توفر الإمكانات المطلوبة للرعاية الاجتماعية، فعدم الأمن الوظيفي وعدم وجود نظام للتأمين ضد البطالة بفقد العامل الشعور بالأمن، الأمن الفردي المادي شرط للتعبير بحرية والشعور بالكرامة إنسانية الإنسان، وهذه الجوانب قد كانت من أكثر الجوانب إهمالاً في عمل الحكومة، نأمل من الحكومة الجديدة أن تضع برنامجاً ملائماً للنهوض بالجانب الإنساني وتوفير مستلزماته.

 

ب- المعوقات البنيوية للتنمية البشرية في سورية:

المعوقات البنيوية في المجتمع السوري عديدة. وسوف نركز على بعضها في مجالات محددة، من أهم هذه المعوقات عدم استراتيجية تنمية شاملة بما فيها استراتيجية تنمية بشرية، وقد فاقم من هذه الوضعية تخلي الحكومة عن التخطيط الذي كان متبعاً حتى أواسط الثمانينات ولجوئها إلى تطبيق برنامج غير معلن للتعديل الهيكلي – ترافق تطبيق هذا البرنامج بانفتاح متزايد على الخارج، وباعتماد كبير على قوى السوق والمبادرة الخاصة، لا يعني هذا القول الوقوف ضد الانفتاح على الخارج أو ضد المبادرة الخاصة، إلا أن المقصود، والذي لم تقم به الحكومة هو تعبئة القدرات الوطنية والاستعداد لمواجهة تحديات الانفتاح وتهيئة القوى المنتجة بما فيها رأس المال الخاص لمواجهة التحديات القادمة من الخارج. إن الشفافية والمشاركة شرطان أساسيان لتعبئة القوى الوطنية، ولم يتم إيلاء هذا الجانب أي اهتمام، بل على العكس من ذلك كانت الحكومة تفاجئ المواطنين بقرارات وإجراءات لا يعرفون الغاية منها. إن المقصود بالمشاركة ليس إبداء الرأي فقط، وإنما إمكانية مؤسسات المجتمع المدن والأفراد من خلال الآراء التي يبدونها، إن يصححوا الإجراءات والقرارات المتخذة من قبل الحكومة، وأن يسهموا في صياغة السياسات والاستراتيجيات التي تعمل الحكومة على تنفيذها.

 

من المعوقات الرئيسية تعثر عملية التنمية وعدم تطور هياكل وبنى الإنتاج بشكل كاف خلال الفترة السابقة، يقول انجلز "إذا كان لدى المجتمع احتياجات تقنية، فإن هذه الاحتياجات تدفع إلى تقدم العلم أكثر من عشرة جامعات"، ومن خلال مسح سوق العمل لعام 1995 تبين أن 33% من منشآت القطاع الخاص تستخدم تجهيزات آلية و52% منها تستخدم التجهيزات النصف آلية، والأهم في الأمر أن نسبة لا تتجاوز 3% ترغب في التحديث إلى نصف آلية و14% منها يرغب في التحديث إلى تجهيزات آلية.

 

أبدى 20% من المؤسسات والمنشآت المدروسة رغبة في تدريب العمال تدريباً داخلياً و2% أعلنت أن عمالها بحاجة إلى تدريب خارجي ونحو 78% من هذه المنشآت لا ترى ضرورة أو حاجة للتدريب.

 

يتضح من البحث أن عملية التطوير المنتظرة وانعكاسها على سوق العمل ومن ثم انعكاسها على التطوير العلمي والتقني غير ممكنة في الظروف الحالية، وتصبح مقولة الانسجام بين مخرجات التعليم وسوق العمل سلبية التأثير وتدفع إلى مزيد من الجهل والتأخر فالقاعدة العريضة وسوق العمل هي اليد العاملة غير الماهرة وليس هناك طلب محدد على سوية معينة من التعليم والتأهيل، ونعتقد بأن السبب في ذلك يعود إلى غياب الاستراتيجية الصناعية والتقانية ولم تقم الخطط الخمسية حتى أواسط الثمانينات بإيجاد قاعدة صناعة وتقنية متطورة وفق نهج استراتيجية واضحة، وبالتالي فإن المشكلة تتحدد في وضع استراتيجية صناعية وتقنية في البداية، ومن ثم يمكن الحديث عن مخرجات التعليم، وهنا أيضاً يعود الدور لدولة في استراتيجية شاملة، وهذه الاستراتيجية لاتصنعها قوى السوق وخاصة في بلد نام قواه المنتجة وقطاعه الخاص أضعف من أن يمتلك استراتيجية تطوير خاصة به فكيف له أن يضع استراتيجية أكثر شمولاً وبعداً.

ولا تتوقف استراتيجية التعليم عند إعادة النظر في مستويات التعليم المختلفة واستراتيجية البحث العلمي، بل تتعداها إلى استراتيجية ثقافية علمية أصبحت مفروضة في ظل التحدي الثقافي والهيمنة الثقافية  أحادية الجانب، وأثر كل ذلك على الهوية والمستقبل والعائق البنيوي في هذا المجال هو غياب المؤسسة الثقافية المجتمعية، فلبنية الحالية تتسم بكونها ثقافية عامة تتفاعل فيها قوى المجتمع وقواه بحرية وتكافؤ.

إن العلم نتاج اجتماعي، وهو كأي منتج اجتماعي يجب أن يكون مطلوباً ومقيماً من قبل المجتمع. في ظل سياسات الأجور المتبعة والتراتب الهرمي في قانون العاملين الموحد، لا تتوفر الحوافز الكافية للاستثمار الفردي في التعليم والتدريب والتأهيل، وهذا يشكل عائقاً رئيسياً أمام التطور العلمي وبناء مجتمع المعرفة.

 

من العقبات الرئيسية للتنمية البشرية، انتشار الفساد الإداري وضيق الهامش الديموقراطي فبالإضافة إلى التكاليف والخسائر المادية الكبيرة الناجمة عن الفساد وتعطيل فرص التنمية الاقتصادية، فإن الفساد يقتل روح المبادرة والتنافس العلمي الشريف ويحبط رغبة الإفراد في الترقي وفي تحصيل العلم والمعرفة، وهو في نفس الوقت يشوه قيم الثقافة الوطنية والمجتمعية، ويولد بالتالي إفراداً ضعفاء لامنتمين غير قادرين على النهوض بأعباء المشروع التنموي والثقافي، وهم غير قادرين في نفس الوقت على مواجهة التحدي الذي تفرضه العولمة الجارية وتحديات بناء القدرات الذاتية.

 

إن الدين الخارجي، اقتطاع من موارد الأجيال القادمة وزيادة هذا الدين بالشكل الذي رأيناه يشكل عقبة أما التنمية البشرية المستدامة، ولجوء الحكومة السابقة إلى الحل الأسهل بالاقتراض الخارجي، يشكل عبئاً على التنمية البشرية وقيداً على الخيارات التنموية الوطنية.

 

من العقبات والمؤثرات السلبية على التنمية البشرية في سورية استمرارية التدهور البيئي فسورية من بين الأكثر تدميراً للبيئة، رغم أنها ليست بلداً صناعياً متطوراً، حيث يتراوح معدل إزالتها للغابات بين 2.2 و2.5% سنوياً وتبلغ حصة الفرد في السويد أو في فرنسا مع الفارق في مستوى التصنيع، إن هدر الموارد البيئية والطبيعية يؤثر سلباً على التنمية البشرية ويضعف من خيارات الإفراد ومن إمكانية تمتعهم بحياة صحية مديدة.

 

3:  بعض المقترحات لتسريع التنمية البشرية:

لقد أصبح واضحاً حجم التحديات التي تواجهها سورية في المرحلة الحالية، سواء تلك التي يفرضها التقدم العلمي أو تلك المرتبطة بآفاق التنمية في الظروف الحالية أو تلك الناجمة عن محاولة إدماج سورية في العولمة الجارية مباشرة أو عن طريق المشروعات الإقليمية مثل الشراكة الأوروبية المتوسطية أو ما يشترط للتسوية السياسية مع اسرائيل من تطبيع ومشروعات شوق أوسطية. وأصبح واضحاً من خلال العرض أن تحديات التنمية البشرية هي في رأس قائمة هذه التحديات ولا تملك سورية خياراً سوى السير بخطاً على طريق التنمية البشرية والإنسانية لمواطنيها، وفي هذا الاتجاه تبرز جملة من المقترحات والتي نعتقد أن من أهمها وأكثرها إلحاحاً:

آ- وضع استراتيجية عامة للتنمية الشاملة وإعادة الاعتبار لدورة الدولة في هذه الاستراتيجية التي تشارك في صياغتها والإشراف على تنفيها مؤسسات وهيئات المجتمع المدني، تأخذ الاستراتيجية باعتبار ترسيخ أسس تعددية اقتصادية وسياسية متكافئة وعادلة.

ب- وضع استراتيجية للتشغيل والقضاء على البطالة والفقر في مدة محددة لا تتجاوز عام 2005.

ج- وضع استراتيجية بناء مجتمع علمي، يقوم على المعرفة للجميع، والمعلوماتية في خدمة المجتمع وتطوره، مما يستتبع استراتيجية للتعليم في كافة مراحله واستراتيجية للبحث العلمي.

د- وضع استراتيجية لإحياء الثقافة الوطنية وإقامة نظام ثقافي مجتمعي، قادر على توليد ثقافته الوطنية الخاصة وحمايتها من الهيمنة الثقافية الوحيدة الجاني والمفروضة من قبل العولمة الجارية.

هـ- إعادة المجتمع بذاته، من خلال توسيع المشاركة وحرية الرأي واحترام الذات، حيث يبقى الشعب هو الضمانة الوحيدة والأكيدة، لبناء المستقبل ومحاربة الفساد وتحمل أعباء المواجهة أياً كان نوعها.

 

وشكراً لإصغائكم…

 

د.نبيل مرزوق

 

دمشق 11/4/2000