![]() |
بداية أتوجه بالشكر العميق للقائمين على ندوة الثلاثاء الاقتصادية التي أصبحت أحد أهم منابر الحوار الديمقراطي لقضايا اقتصادنا الوطني كما أتقدم بالشكر وفائق الاحترام إلى الباحث الدكتور خالد عبد النور على المحاضرة القيمة "القطاع الخاص الصناعي من الحماية إلى المنافسة" فهو موضوع شديد الأهمية في هذه المرحلة التي تقف فيها صناعتنا الوطنية أمام امتحان صعب، وعلى الرغم من أن هذه المحاضرة هي ليست الأولى في هذا المجال ولكن أهميتها تزداد بسبب دقة هذه المرحلة من خلال ازدياد حجم التحديات وقرب الاستحقاقات في أسواقنا المحلية وأسواق التصدير، حيث بات أمراً مصيرياً إنقاذ صناعتنا الوطنية وما يزيد من أهميتها أنها تأتي في وقت تتسلم فيه الحكومة الجديدة مهامها مفعمة بزخم الإصلاح وقد أعطتنا الانطباع بأنها جادة في إيجاد الحلول الناجعة لإزالة ما تراكم من معيقات في وجه تطور اقتصادنا بالاتجاه الصحيح.
أنني اتفق مع السيد المحاضر بالعموميات التي أوردها عن وقع القطاع الخاص الصناعي في الفترات الماضية دون أن يخوض في التفاصيل الدقيقة وخاصة النفسية منها التي تركت القائمين على هذا القطاع يعيشون في قلق دائم وقد لا أختلف معه في مجمل ما طرحه من حلول ولكن لابد لي من طرح بعض النقاط التي أغفلت والتي أرى أنها يمكن أن تغن وتكمل المحاضرة عسى أن نحقق بصورة أفضل هدفنا المشترك في إنقاذ القطاع الخاص الصناعي.
كما أني أختلف مع السيد المحاضر في بعض النقاط الجوهرية فيما يتعلق بمساهمة الدولة في القطاع الإنتاجي والقطاع المشترك وتحديد مفهوم الحماية.
وبما أن صاحب العلاقة في هذا البحث هو القطاع الخاص الصناعي الذي يناط به مهمة الدفاع عن أسواقنا المحلية وتصدير منتجاتنا للعالم الخارجي وتوفير ما نحتاج من فرص للعمل وزيادة في الناتج القومي فمن البديهي أن نعطي اهتماماً أكبر لتوصيف وضعه الراهن والوقوف على أسباب ما أصابه من تشوهات لنعمل على إصلاحها ومساعدته على امتلاك الوسائل اللازمة الكفيلة بتمكينه من استعادة القدرة على المنافسة كي لا يكون الطرف الخاسر فيما ينتظره من معارك طاحنة في أسواقه المحلية وأسواق التصدير.
وللوصول إلى صورة واضحة عن هذا الواقع لابد من المرور على المناخ الذي تربى فيه هذا القطاع وأسباب ما وصل إليه من ضعف وما أصابه من تشوهات.
بعد موجتي التأميم والمصادرة للشركات الكبيرة والمتوسطة في عامي 61-65 بات واضحاً أن مهمته قد تحددت في دور هامشي أقرب ما يكون للقطاع الحرفي، وقد توضح ذلك في السنين اللاحقة من خلال الكثير من القوانين والقرارات التي كانت تهدف إلى تحجيم القطاع الخاص الصناعي حيث تم التحكم بالتراخيص الصناعية بما يخدم الهدف وتم حصر وتقنين كافة المواد الأولية ووضعت الحواجز أمام استيراد الآلات الصناعية ومنع أية تسهيلات مصرفية ضرورية وعدم تخصيص أية مناطق صناعية مجهزة بالبنية التحتية ورفع الشرائح الضريبية لتصل حتى 93% والتدخل المباشر في تسعير منتجاته المطروحة في السوق المحلي والتي كثيراً ما كانت تقل عن أسعار التكلفة وتسليط السيف على رقبته من خلال محاكم الأمن الاقتصادي وقانون الغش والتدليس والمرسوم 24 الخاص بتداول القطع الأجنبي وغيرها من القوانين التي هو مجبر على مخالفتها أو يمكن أن تلفق له بسهولة التهم عن طريقها.
في هذا الجو من الحصار تطورت لدى القطاع الخاص الصناعي انطلاقاً من غريزة الحرص على البقاء أساليب جديدة للتحايل على هذا الواقع والقفز فوق الممنوعات مما أدى إلى تفلته من الكثير من أخلاقه وثقافته الصناعية العريقة ليستعيض عنها بالشطارة والبهلوانية فترسخت في ذهنه الأنانية واتباع أسلوب أضرب واهرب كونه يعيش حالة من القلق الدائم فهو مضطر لارتكاب المخالفات ولا يأمن ما يخبأ المستقبل له وما يحمل له من مفاجآت.
لقد فرض هذا الجو على القطاع الخاص الصناعي التستر والعمل في الظلام فلا يصدر فواتير حقيقية لمبيعاته ومشترياته ولا يظهر أية أرقام عن رأسماله أو عدد العاملين في منشأته ولا يقدم أي ميزانيات نظامية تفادياً لضريبة قد تأتي على كل الربح وتزيد.
إن مزاولة القطاع الخاص لعمله في هذا الجو من السرية والكتمان فرض عليه الاعتماد كلياً على الأقربين من أفراد العائلة مستغنيا عن اختيار الأكثر كفاءة من أصحاب الاختصاص خشية أن يبوحوا بأسراره ويعملوا على ابتزازه وأصبح يبتعد ما أمكن عن الوضوح وتدوين أرقامه الحقيقية حتى داخل منشأته خشية أن تتسرب أي من تلك الأوراق والتي تسوقه إلى السجن أو تضطره إلى دفع المبالغ الطائلة تفادياً لذلك.
حتى بعد صدور القانون10 لعام1991 وعلى الرغم من رغبة الحكومة في التشجيع على الاستثمار في الصناعة فإن خطواتها ظلت خجولة ومترددة في تحسين المناخ غير الطبيعي الذي يحيط بنشاط القطاع الخاص الصناعي.
واستمر هذا القطاع على الرغم من ازدياد حجمه يحمل تشوهاته وأمراضه المزمنة على الرغم من التبدل الجذري الذي طرأ على بنية الاقتصاد المحلي والإقليمي والدولي والذي فرض على هذا القطاع تحديات كبيرة لا قبل له في مواجهتها.
إن جملة الظروف المحيطة بالقطاع الخاص الصناعي انعكست على زيادة تكاليفه بشكل كبير حتى باتت أسعار الجملة للمنتجات الوطنية مثل المفروشات الخشبية والمعدنية والأدوات المنزلية والكثير من أصناف الملابس والأحذية والمنظفات ومستحضرات التجميل والمنتجات الغذائية المصنعة وأدوات المطابخ تزيد بنسبة كبيرة عن أيعار مثيلاتها في الدول العربية والعالمية.
ساهم بتعويض عن ما لحق بهذا القطاع من ظلم ومعاناة تمكينه من احتكار السوق المحلي تحت شعار "حماية الصناعة الوطنية" فاستطاع استرداد كل ما دفعه من تكاليف طفيلية وكل التكاليف الناتجة عن الهدر وضعف المردود وجملة الأخطاء المرتكبة.
ولكن هذه الحالة غير الطبيعية بدأت تتبدل بشكل سريع في السنوات الأخيرة للأسباب التالية:
- بدأت القوة الشرائية تتقلص بشكل حاد في السوق المحلي.
- بدأت منتجات دول منطقة التبادل الحر العربية تغزو أسواقنا بينما وقفت منتجاتنا الصناعية عاجزة عن دخول أسواقها.
- اشتدت المنافسة في السوق العالمية وخاصة سوق الاتحاد الأوربي كما أصاب الضعف العملات الأوربية مما أدى إلى تراجع صادراتنا المصنعة بشكل ملحوظ.
إن هذه العوامل الثلاثة سببت أزمة حادة للقطاع الخاص الصناعي زاد فيها حجم مخازينه وتقلصت نسبة أرباحه مما اضطر الكثير من منشآته إلى التوقف أو تقليص طاقاتها الإنتاجية وتسببت بعجزه عن الوفاء بالتزاماته وقد قدر خبير مطلع بأن القطاع الخاص الصناعي يعمل حالياً بربع طاقته الإنتاجية فقط.
إن هذا الواقع الأليم الذي تواجهه صناعتنا الوطنية منذ عدة سنوات لم يكن غائباً عن اهتمام الباحثين وغرف الصناعة والتجارة وبعض أعضاء مجلس الشعب ورجال الأعمال، ولكن لسبب يستعصي على الفهم ظلت الحكومة السابقة ترفض الاعتراف به وتصر على المكابرة والتحدث عن إنجازات وهمية والتستر على كل الأرقام والمعطيات التي تظهر تفاقم الوضع في القطاعين العام والخاص إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
لقد بات لزاماً علينا التحرك بكل ما نملك من قوة وتصميم وإدراك لإنقاذ الصناعة الوطنية بحماية المنشآت القائمة من الانهيار وإعادة تشغيلها بطاقتها الطبيعية وخلق المناخ الضروري لتوسيع المنشآت القائمة وإقامة منشآت جديدة قادرة على المنافسة.
إن هذه المعاناة والمصاعب الشاقة والقلق الدائم التي يعيشها الصناعيون جعلت الاستثمار في الصناعة مسألة محفوفة بالمتاعب والمخاطر مما أدى إلى تناقص الاستثمار في السنوات الأخيرة كما أورد السيد المحاضر وبتنا جميعاً نسمع عن هجرة الصناعيين لإقامة مشاريع في الدول العربية الشقيقة وغيرها من دول العالم وهذا ما تؤكده الأرقام التي تشير إلى أن مجموع الاستثمارات البينية العربية التي استقبلتها سورية خلال الفترة 82-98 هي 436 مليون دولار في حين بلغت الاستثمارات السورية في البلدان العربية في نفس الفترة 1.3 مليار دولار أي ثلاثة أضعاف ولهذا أشعر إن من واجبنا الوقوف إجلالاً وإكباراً لكل الصناعيين الذين تمكنوا من الصمود، وأن نرثي لحال مستهلكنا المسكين الذي وقع عليه عبء دفع ثمن كل ما ارتكبناه من أخطاء، ولكن تآكل دخول النسبة العظمى من المستهلكين وتراجع الصادرات وتدفق بضائع الدول العربية لأسواقنا وتكدست مخازين مصانعنا وانخفاض الأسعار كما وجدت صناعتنا الوطنية نفسها وجهاً لوجه أمام منافسة غير عادلة مع بضائع الدول العربية الشقيقة.. فهل نتركها تستسلم لقدرها المحتوم.
في سياق المحاضرة تعرض السيد المحاضر بالتحليل لإيجابيات وسلبيات الحماية وفهمت من كلامه وكأن حماية الصناعة الوطنية هي فقط في منع استيراد أو فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع والمواد المثيلة وقد سلم المحاضر بأن هذه الحماية كانت عاملاً محفزاً للاستثمار وساعدت على قيام العديد من المنشآت في مجال الصناعات الغذائية والنسيجية والأدوات الكهربائية المنزلية مع أنه يرى في الوقت نفسه إن هذه المنشآت تمكنت من تحقيق أرباحاً خيالية بحيث أصبحت دخلاً ريعياً وضرب لنا مثلاً عن منشأة مشروبات غازية اضطرت إلى تخفيض أسعارها حتى 50% بعد رفع الحماية عنها ويضيف معلقاً على ذلك أن ربح المستثمر مالياً من الحماية على حساب المستهلك والمجتمع ومع ذلك فهو يرى أن توفير حد مناسب من الحماية للصناعة الوطنية ضروري في البداية وهو أحد أهم واجبات الدولة.
أني أعتقد أن أي حماية أساسها السماح للمنتجات باحتكار السوق هي ضارة بالنتيجة وأن الحماية الحقيقية تتمثل بإقحام المنتجات المحلية بشكل متعمد في منافسة متكافئة ليشتد عودها وتطور أساليب إنتاجها.
إن واجب الدولة في الحماية، يجب أن يتمركز في المجالات التالية:
1- حماية الصناعيين وحفظ كرامتهم بتحصينهم من كل أنواع الابتزاز وتحريرهم من القلق والخوف ليصبح عملهم في منشآتهم متعة وليس مخاطرة.
2- رصد مبالغ إضافية في الموازنة للتعليم والبحث العلمي بما يضمن تخريج كوادر وطنية وخبرات فنية مؤهلة ومدربة.
3- تشجيع الشركات على إدخال الأساليب العلمية في التصنيع واستخدام التكنولوجيا من خلال تقديم تسهيلات وإعفاءات مالية لتلك الشركات.
4- توفير المناطق الصناعية المجهزة بكل عناصر البنية التحتية اللازمة لخفض تكاليف إقامة المنشآت الصناعية وإيقاف تبعثر تلك المنشآت في مناطق المخالفات السكنية والأراضي الزراعية وما ينتج عنه من أضرار وتكاليف.
5- العمل بمبدأ تعويم استيراد احتياجات المنشآت الصناعية من جميع المواد ومستلزمات الإنتاج والآلات والتجهيزات وقطع الغيار وعدم تحمياها أية رسوم جمركية وإنجاز عمليات تخليصها الجمركي عن طريق طريق ما يسمى بالخط الأخضر أي خلال ساعات.
6- تقديم كل الخدمات والتسهيلات المصرفية مع التحكم بالإقراض ونسب الفائدة حتى نترجم عملياً سياسة الدولة في حماية الصناعة الوطنية وهذا يستوجب تخصيص الإعانات اللازمة في الموازنة لإقامة مصرفاً خاصاً بالتنمية الصناعية بفوائد تشجيعية.
7- تنظيم عمل المنشآت الصناعية من خلال حزمة متكاملة من القوانين الحكيمة تحدد بشكل واضح واجبات القطاع الخاص الصناعي وحقوقه فنحميه من الابتزاز ونفرغه للعمل فيبدع وينتج وينافس.
8- توجيه وتشجيع إقامة المنشآت الصناعية في أماكن تواجد العمالة في المدن الصغيرة والأرياف حتى نحد من الهجرات الكثيفة باتجاه العاصمة والمدن الكبيرة ونساعد أيضاً في خفض تكاليف المعيشة الإضافية التي يتحملها أبناء تلك المناطق عند هجرتهم للعمل في المدن الكبيرة والتي تنعكس بالنتيجة على زيادة تكاليف الإنتاج.
9- أن تعمل الدولة على إقامة حاضنات صناعية تتيح الفرصة لكل من يملك الخبرة والجرأة والقليل من المال على إقامة خلية صناعية يتوفر لها فرصة النمو والتوسع.
10- أن تسعى الدولة لإبرام اتفاقيات تجارية تتيح لمنتجات الصناعات الوطنية بالتدفق إلى الأسواق العربية والعالمية دون حواجز.
11- أن توفر الدولة المناخ الطبيعي لتفعيل وتسهيل عمليات النقل البري والبحري والجوي بخطوط منتظمة وأسعار منافسة.
12- التوقف عن العمل بالنظام الضريبي العرفي القائم ووضع نظام ضريبي وطني يساهم في تنمية المطارح الضريبية الحالية وخلق مطارح ضريبية جديدة من خلال توفير العدالة وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع المنتجة.
13- تصحيح العلاقة القائمة بين المنشآت الصناعية القائمة وموظفي الدولة المخولين بإنجاز معاملاتهم لنقلها من علاقة استثمار الموظف لحقه بالتوقيع إلى علاقة حرص الموظف على تسهيل وتبسيط معاملات المنشآت الصناعية وإنجازها بالسرعة الكلية حرصاً على استمرار خطوط إنتاجها وللوفاء بالتزاماتها.
عندما تتوفر هذه الشروط فإن صناعتنا الوطنية تصبح قادرة على دخول أية منافسة متكافئة وقادرة على الدفاع عن حصتها في الأسواق المحلية والانطلاق نحو الأسواق العربية والعالمية دون الحاجة إلى أي احتكار ولا حتى إلى الإعفاءات الضريبية لأن في هذه الحالة سنبقى نملك ميزة نسبية هامة وهي كون شعبنا شعب حضاري يملك مخزونات ثقافية وأخلاقية تؤهله للتميز في الإنتاج والإبداع.
على الرغم من أن عنوان المحاضرة يوحي بأنها مخصصة لانتقال القطاع الخاص الصناعي من مرحلة الحماية إلى مرحلة المنافسة إلا أن المحاضر وجد من الضروري البحث عن علاقة تكاملية بين العام والخاص، حيث أنه سعى لإيجاد المبررات لأهمية دور المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية في القطاع العام وحاول جاهداً وضع صورة مشرقة لما يمكن أن تؤديه من دور إذا ما توفر لها المناخ المناسب وأكد على ضرورة توسيع القطاع المشترك وضرب مثلاً على نجاحاته في قطاع السياحة.
أني أرى في هذا التوجه نحو القطاع العام والمشترك استمراراً لما اعتدنا عليه من هروب في مواجهة القضايا الصعبة والاكتفاء ببذل كل الجهود لتبرير استمراريتها وعدم استفزاز الجهات المعنية والقائمة على إدارة هذه القطاعات بغض النظر عن الأرقام والنتائج التي تؤكد ضرورة وقف النزيف واللجوء إلى العمل الجراحي أحياناً والذي قد يكون مؤلماً في الكثير من الحالات وبهذا الأسلوب مازال يجري تبرير تخصيص مبالغ طائلة من أموال الموازنة لبناء مشاريع جديدة في مجال قطاع الغزل مثلاً وترميم ما تلف في معامل الغزل والنسيج والصباغ في الوقت الذي تتراكم فيه مخازن المؤسسة العامة النسيجية حتى زادت عن 15 ل.س بأسعار التكلفة في حين أن قيمتها الحقيقية لا تساوي بضع مليارات كما أن مثال تبرير استمرار عمل الشركات العامة للبناء على الرغم من تحولها إلى ركام من الآليات الخردة وحوالي مائة ألف مهندس وعامل شبه عاطلين عن العمل لتنفيذ مشاريع لا تغطي إلا جزء بسيطاً من طاقتها البشرية وعندما نتحدث عن هذا القطاع بتيارى المدافعون عنه بتجميد ما حقق من إنجازات في عقود خلت.
وعندما نتكلم عن القطاع العام الرائد وتمنحه الكثير من القدسية دونما تفريق بين مؤسسات فاعلة مثل مصافي تكرير النفط ومعامل الإسمنت وبين القطاعات الخاسرة مثل معامل الورق والكبريت والإطارات والبطاريات والجرارات والنسيجية والغذائية والهندسية والشركات العامة للبناء، حتى اكتسبنا كل المهارات في قلب الحقائق وتحويل أي من إخفاقاتنا إلى إنجاز كبير.
واسمحوا لي أن أعرض عليكم المثال التالي المضحك المبكي حيث نشرت تشرين في 3/2/1997 بشرى سارة بعودة شركة الصناعات الحديثة بعد توقف دام 10 سنوات.. ولكن بالاعتماد على الذات…
ورد في المقال في محاولة جادة من قبل الجهات المعنية للارتقاء بشركات ومعامل القطاع العام إلى المستوى الأمثل خاصة شركات قطاع الغزل والنسيج وأخص بالذكر الشركات المتوقفة وشبه المتوقفة… ولكي نكون صادقين فقد أعطت هذه المحاولات الجادة دفعاً لا بأس به… ويتابع .. نخص بالذكر شركة الصناعات الحديثة وللذين لا يعرفون هذه الشركة نقول أنها كانت في يوم من الأيام تنتج أجود وأفضل أنواع الأقمشة التي كانت تنافس الأجواخ الأجنبية في السوق المحلي (قبل التأميم) وكان الطلب المتصاعد عليها يؤكد مكانتها وكان الطموح والاستمرار في العمل بنفس هذه الجودة والمنافسة ولكن…. وللأسف فقد توقفت الشركة عن العمل والإنتاج مدة تزيد عن عشرة أعوام لعدم توفر المادة الأولية للتشغيل …انتهى.
هل الاستمرار بهذا الأسلوب في الدفاع عن القطاع العام ممكن في عام 2000 وما بعده؟ وهل يصب هذا في مصلحة الاقتصاد الوطني؟
أني أرى أنه قد آن الأوان للوقوف أمام الحقيقة وجهاً لوجه وإجراء دراسة دقيقة وموضوعية لكل منشأة اقتصادية في القطاع العام على حده، واتخاذ القرارات الضرورية بشأنها بما يحقق أفضل جدوى اقتصادية ممكنة إما بتفعيلها كمؤسسة اقتصادية أو بتحويلها إلى شركة مساهمة أو إغلاقها ووقف النزيف مع الحرص الشديد على إعطاء العمال المسجلين على ذمتها كل حسب ما يستحق من التعويض و الرعاية.
دعونا نتحدث بكل جرأة وصراحة واضعين نصب أعيننا مصلحة الوطن والمواطن إذا كان سبب وجود القطاع العام الإنتاجي هو توفير فرص عمل شريفة تؤمن الحياة الكريمة للعاملين، وتحقيق فوائد اقتصادية ترفد الخزينة وتزيد في الناتج القومي... فهل حققنا النسبة المقبولة من هذين الشرطين أو من أحدهما؟
أني أعتقد أن الظروف المادية والنفسية والصحية التي يعيشها العاملين في القطاع العام عجزت عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب بينما أصبحت خسائرنا المادية في العديد من شركات هذا القطاع تزيد كثيراً عن مجمل ما يتقاضاه العاملون في تلك الشركات من أجور.
أما الدعوة إلى توسيع وتطوير القطاع المشترك فاسمحوا لي أن أقول وبكل صراحة، أن من يتسنى له أن يقف على خفايا هذا القطاع لابد أن ينتابه الذهول والقشعريرة حيث تمكن فيه عدد قليل من أصحاب المصالح الخاصة العبث بأموال الدولة وأموال من غرر بهم من المساهمين وإذا كان في هذا القطاع استثناء في شركة أو اثنتين حققت نتائج إيجابية فإن كل الشركات المتبقية أخفقت إخفاقاً كبيراً وتسببت بضياع مليارات الليرات السورية تلبية لفائدة عدد محدود لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة وأن شركة كيما أوضح مثال على ذلك.
إن هذا القطاع هو قطاع مفتعل بغالبيته وهجين في تكوينه بجمع مساوئ القطاعين العام والخاص ولابد من معالجته ووضع حد للتجاوزات فيه.
إن الحل البديل الذي يكفل تحقيق نهضة اقتصادية هو خلق المناخ القادر على تعبئة المدخرات والرساميل في شركات مساهمة قادرة على العمل بشفافية مطلقة يديرها أصحاب الكفاءات أسوة بالشركات المساهمة الكبيرة التي تم تأميمها و إن رقماً نشر هذا اليوم في صفحة تشرين يعطينا مؤشراً واضحاً عن مدى ما وصلت إليه صناعتنا الوطنية من ضعف نقلاً عن تقرير لغرفة تجارة دمشق تبين أن صادراتنا السلعية شكلت عام 1956 ما نسبته 26% من حجم الدخل القومي بينما لم تتعدى 6% في عام 1998 وإذا كان هذا الرقم صحيحاً فإنه يكفي لدفعنا إلى إعادة النظر بمجمل سياستنا الاقتصادية بكل ما يتعلق في القطاعين العام والخاص ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن أسواقنا في عام 1956 كانت مفتوحة لاستيراد جميع البضائع دون استثناء بينما في عام 1998 مازال القسم الأعظم من المنتجات السلعية ممنوعة من الاستيراد، ولو أننا وفرنا مناخ عمل الشركات المساهمة الحقيقية لما وقعنا في فخ جامعي الأموال ولما تحول الرأسمال الوطني للمضاربة في الأراضي والعقارات أو الهجرة خارج الوطن.